أطلال منصورة: الشاهد على أطول حصار
اكتشف التاريخ الآسر لمنصورة، المدينة الشاسعة التي بُنيت خصيصًا لمحاصرة تلمسان، وتأمل مئذنتها الشامخة.
على بعد بضعة كيلومترات غرب تلمسان، تقع أطلال منصورة (“المنتصرة”) المهيبة. على عكس معظم المدن القديمة التي نمت بشكل طبيعي على مدى قرون، وُلدت منصورة من هدف عسكري طموح واحد: محاصرة عاصمة الزيانيين تلمسان، التي كان يُعتقد أنها منيعة.
مدينة بُنيت للحرب
في عام 1299، وصل السلطان المريني أبو يعقوب يوسف من فاس بجيشه، عاقدًا العزم على قهر تلمسان. ولما وجد دفاعات المدينة أقوى من أن تُخترق بسرعة، استقر هناك وبدأ ما سيصبح أحد أطول عمليات الحصار في التاريخ، والذي استمر ثماني سنوات.
وبدلاً من إقامة معسكر عسكري مؤقت، أمر أبو يعقوب يوسف ببناء مدينة دائمة تعمل بكامل طاقتها. بُنيت منصورة بأسوار واقية ضخمة، وقصر ملكي، وحمامات، وفنادق (خانات)، ومسجد مركزي رائع. لقد أصبحت مدينة مزدهرة، تسك عملتها الخاصة وتجذب التجار من جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط، في حين كان جنودها يواصلون حصار تلمسان المجاورة.
المئذنة العظيمة
انتهى الحصار فجأة في عام 1307 مع اغتيال أبو يعقوب يوسف، وتخلى المرينيون عن منصورة. ورغم أنهم عادوا بعد عقود لحصار آخر، إلا أن المدينة تُركت في النهاية للخراب.
اليوم، السمة الأكثر لفتًا للانتباه في منصورة هي بقايا مسجدها الكبير، وتحديدًا مئذنته الشاهقة. يبلغ ارتفاع مئذنة منصورة ما يقرب من 40 مترًا، وهي تحفة من روائع العمارة الأندلسية المغاربية، وغالبًا ما تُقارن بالخيرالدا في إشبيلية أو الكتبية في مراكش.
ما يجعلها فريدة من نوعها حقًا هو أنها مقسومة إلى نصفين عموديًا. تقف الواجهة الأمامية، المزينة بأقواس منحوتة رائعة وأنماط هندسية، شامخة ومتحدية، في حين أن النصف الخلفي قد انهار تمامًا. أصبحت هذه الصورة الظلية المذهلة واحدة من أكثر الرموز الأيقونية لمدينة تلمسان.
نزهة عبر التاريخ
أثناء السير على طول الأجزاء المتبقية من أسوار منصورة الترابية الضخمة، والتي كانت تحيط ذات يوم بأكثر من 100 هكتار، لا يسعك إلا أن تشعر بحجم الطموح المريني الهائل. الأطلال محاطة اليوم ببساتين الزيتون الهادئة، مما يوفر تناقضًا صارخًا مع الغرض العنيف الذي بُنيت من أجله المدينة.
زيارة منصورة هي تذكير قوي بالتاريخ المضطرب للمنطقة، حيث تصادمت الإمبراطوريات، ولا تزال الحجارة شاهدة على صراعاتها الملحمية.